اسمه بالكامل محمد يونس أحمد القاضي ولد فى أول يوليه عام 1888م في حارة درب الدليلبالدرب الأحمر بالقاهرة وكان والده قاضيا شرعياً، ألحقه بالكتاب فحفظ القرآن فى عامين، ومعانتقال الوالد الى الواحات الداخلة عهد به لأحد أخواله لرعايته، وكان هذاالخال على حظ عظيم من المعرفة والثقافة.
وفي سن الثانية عشرة من عمرهالتحق بالمدرسة الابتدائية مقبلاً على التحصيل، وبدأت تظهر لديه ميول فىالأدب وميلاً لدراسة البلاغة والنحو والرياضيات فحرص الأب على تنمية هذهالمواهب، فكان يكافأه على كل قصيدة يكتبها،وراح يحفظه قصائد من عيون الشعر العربى، ويشرحها له، الى أن ألحقهبالأزهر، وفى هذه السن المبكرة يستطيع الصبى أن يتم دراسة بكتاب القطرفي علوم النحو، وبدأت تتجلى موهبته الشعرية، فظهر نبوغه فى علم البيانوالعروض والأدب.
انخرط فى سلك الكتابة للمجلات والصحف وهو لما يزلطالباً، فكتب فى "المؤيد" لصاحبها على يوسف، ثم أسس باباً فى إحدى صحفالحزب الوطنى بعد لقائه بالزعيم مصطفى كامل وخصص هذا الباب للتعرض للأخطاءالأدبية واللغوية لمشاهير الكتاب والمنشدين، ثم ينشر كتاباً بعنوان "تسالىرمضان" جمع فيه أزجاله، التى أعجبت صاحب مجلة "السيف" فطلب منه أن يكونزجال المجلة، فرفض يونس لما أشتهرت به المجلة من بذاءة الأشعار، ثم وافقبشرط عدم كتابة اسمه، وكان يحصل على جنيه ذهبى مقابل هذا.
وارتفع توزيعالمجلة بسبب هذه الأزجال، فيما كان يتقاضى صاحب المجلة جنيها من كل سائلعن صاحب هذه الازجال، فلما علم يونس القاضى ترك المجلة، وكتب لمجلة "المسامير" الى ان انضم لأسرة "اللطائف" زجالا وشاعراً ثم رئيسا لقسمالأدب والفن بها، وما ان كتب الأغانى لبيضا فون، حتى لاحقته الشركاتالأخرى وقد عمل فى نحو عشرين مجلة وجريدة.
عمل بالصحافة من عام 1905 حتي 1942، لكنه قدم أعمالهالفنية منذ 1913 وألف 58 مسرحية غنائية، وكان أحد رموز الفكاهة في مصر مععبد العزيز البشري وفكري أباظة، كما أصدر مجلة «الفنان» عام 1926.
مفارقات يونس القاضي:
كيف جمع يونس القاضي بين تأليف النشيد الوطني المصري والأغاني الهابطة ثم الرقابة على الاغاني.
محمد يونس القاضى هو مؤلف النشيد الوطنى لمصر «بلادي، بلادي بلادي.. لك حبيوفؤادي» و مؤلف العديد من أجمل الأغاني والأناشيد الوطنية منها "حبالوطن فرض علي"، "احنا الجنود زي الأسود" وغيرها وغيرها.
وهو صاحب أغنيةسيد درويش التى يقول مطلعها "امتى بقى نشوف قرشالمصرى يفضل فى بلده ولا يطلعش.
الفنانة ايمان مهران،والتي تنتمىلأحدى فروع أسرة الشيخ يونس القاضي، ساقت الكثير من المعلومات في كتابها بعنوان "شيخ المؤلفينمحمد يونس القاضى".
فمحمد يونس هو صاحب أبرز مفارقة حيث وصف بأنه صاحب أشهرأغاني هابطة، وهو أول رقيب على المصنفات الفنية بتكليف رسمي لم يكن يملكرفضه، عندما كان الرقيب يتبع وزارة الداخلية من 1928 حتى 1937 ثم من 1942 حتى 1954 .فكان أول ما فعله أن صادرأغانيه التى لاحقته سمعتها السيئة :
·"إرخى الستارة اللى فى ريحنا" تلحينذكريا أحمد.
·"بعد العشا" تلحين محمد القصبجي .
·"فيك عشرة كوتشينة" تلحينوغناء عبد الوهاب.
·انا مالي هي اللي قالت لي" تلحين وغناء سيد درويش.
·كماصادر أغنية هابطة لأم كلثوم من تلحين صبري النجريدي يقول مطلعها "الخلاعةوالدلاعة مذهبي "
وتقول ايمان مهران ان أم كلثوم سارعت بجمعاسطوانات الأغنية من الاسواق ودفعت تعويضا لشركة الانتاج، لكنها عادت وغنتالأغنية بعدما أجرى أحمد رامى عليها تعديلا فأصبح مطلعها يقول "الخفافةواللطافة" بدلا من الخلاعة والدلاعة عنها.
ويقول كتاب "شيخ المؤلفين محمديونس القاضي":
أصدر يونس القاضي فور توليه هذا المنصب قرارات بشطب ومنع كلالأغاني التي تمس العفاف والمشاعر. وهو ما جنى عليه عداوة العاملين فىالمحال.
وكان يرى أن الواجب الوطني الذى ارتبط بمسؤليته عن وقف تدهورالأغنية الذى شارك بنصيب فيه أهم من أي شيء حتى الذات والمصلحة الخاصة.
وتذكر المؤلفة حواراً أجري مع القاضي، وكان يدافع عن أغنية "إرخي الستارة" فقال انها بالقياس مع زمنها، ومع ما كان ما يغنى قبالها أغنية محتشمة،وقال.. "ألا تستمعون الى أغنية لفايزة أحمد تقول فيها "قومي افتحي لهالباب ولا أنادي له؟"
مسرحيات يونس القاضي
تعدت أعماله المسرحية 58 عملاً اجتماعيا وفكاهيا ذاتمحتوي سياسي، مما أدي بقوات الاحتلال الإنجليزي إلي اعتقاله 19 مرة، كماأمر الاحتلال بوقف عرض بعض مسرحياته.
وكان المسرح الغنائي في مفهومه «جريدةسياسية» يضع خلالها المعاني والأغاني التي تلهب حماس المتفرجين لتخرجالمظاهرات بعد العرض تطالب برحيل الاحتلال والحصول علي الاستقلال ومنهامسرحية «كلها يومين» التي منعها الرقيب الإنجليزي بعد أن أثارت حماسالمتفرجين الذي هتفوا بسقوط بريطانيا بمجرد إسدال ستارة نهاية العرض، فيمظاهرة حاشدة جابت شارع عماد الدين ووسط القاهرة.
ومن مسرحياته :
·«التالتة تابتة» لمنيرة المهديةوتلحين كامل الخلعى،
·«كيلو باترا ومارك أنطونيو» وشارك فى تلحينهاسيد درويش وعبد الوهاب،
·البدر لاح
·فيروز شاه
·وكانآخر مسرحياته «مبروك يامصر» التى كتبها فى نهاية الستينيات وهى المسرحيةالثالثة عشره فى مسيرته
مسرحياته لفرقة عكاشة ومنها:
·الدنيا وما فيها
·المظلومة: لفرقة منيرة المهدية،
·حرم المفتش
·حماتي
·كيدالنسا
·«المخلصة» و «حاجب الظرف» وهما من تلحين رياض السنباطي
هنالك أيضا غنائياته لمسرحيات:
·السعد وعد
·الباروكة.
مع سيد درويش:
بدأت علاقة القاضى بسيد درويش علىالبعد، حيث كان الأول، قد ذهب الى مكتب بريد باب الخلق ليتسلم بريد قراء "اللطائف" و"المسامير"، وكان وكيل المكتب من الاسكندرية، وسأل القاضيلماذا لا يكتب أغاني لسيد درويش، وظل يلح عليه، فلما أراد أن يتخلص منإلحاحه، كتب كلاماً هزلياً يقول مطلعه "وانا مالي ماهي اللي قالت لي" ونسيالقاضي الموضوع، لكنه فوجئ فيما بعد أن الناس تتغنى بلحن لسيد درويش لهذاالكلام، بعدما حول هذا الكلام من هزل الى فن.
وقرر القاضى أن يذهب لسيددرويش، و(الكلام هنا لإيمان مهران وعبد النور خليل وغيرهما مما اتفقوا علىهذه الرواية) فلما ذهب وجد الاسكندرية كلها تبحث عن سيد درويش فقد انهالعلى "جليلة" ضرباً حتى حطم ضلوعها، وقالت النيابة أنها تحتاج علاجاً لأكثرمن واحد وعشرين يوماً، وكانت الشرطة تبحث عنه فى كل مكان، وفى هذا اليومبالذات هبط القاضي على الاسكندرية، فكان يقابل فى كل مكان يسأل فيه عنالشيخ سيد بالاسترابة والتوجس، وظل يجوب الاسكندرية طوال اليوم بالحنطور،وأشفق عليه "العربجى" وعلم أنه شاعر، فدله على طريق الشيخ سيد، وطلب ألايقول لأحد أنه الذى دله.
وأخذه الى مقهى كبير بجوار المحكمة الشرعية،وهناك أعطى القاضى بطاقته للجارسون وطلب منه بثقة أنه يعطيها للشيخ سيدوحسب، وشعر القاضى أنه محط مراقبة كل الحاضرين، ثم حضر إليه رجل واصطحبهالى غرفة مستقلة فى نهاية المقهى الذى كان جالساً الى منضدة عليها بقاياتطعام وشيشة، وجاكت وعود على منضدة أخرى، وعرف على الفور وأدرك أنه سيددرويش فقال له "أنا كنت فاكرك ضرير وعجوز ومهكع "وأجابه سيد درويش" وحياةالنبي أنا كنت فاكرك أعمى وأقرع ونزهي بتكتب أغاني.. وتعانقا..
ويقول مطلعالأغنية الهزلية التى كتبها القاضى وفوجئ بالأطفال والشباب يتغنون به فىحلوان "حيث كان يسكن" وأفضت لتعاون فنى تاريخى مهم فى مسيرة الأغنية بينهذين القطبين، على مدى عشرات الأغانى.
"وانا مالي هي اللي قالت لي
روح اسكروتعالى عل البهلي
شربت شوية وبعد شوية بعتت لى خدام ينده لي"
كتبالقاضى لسيد درويش بعدما عايش فصول قصة حبه الساخن لجليلة واستوحى منهاعشرات الأغانى التى كتبها ولحنها وغناهاله الشيخ سيد،وعلى رأسها "أناهويت" و"أنا عشقت" و"خفيف الروح" و"زورونى كل سنة مرة".